أخر الأخبار >> مجلة المصباح دروب ثقافية أدبية * ثقافية * فنون تشكيلية كما نرحب بجميع المساهمات الواردة عبر البريد الإلكتروني m.droob77@gmail.com أهلا بكم أصدقائنا * مع تحيات أسرة التحرير

أحـدث المقالات

من ملفات الجرائم - السفاح الذي خدع الجميع | بقلم : منال عبد الحميد


جرائم السفاح جاك انترويجر 
انتهت الندوة أخيرا فأصطحب " جاك " رفيقته الجديدة عائدا إلى المنزل .. لقد استغرقت وقتا طويلا ، أكثر مما تستغرقه عادة ، وذلك بسبب ما ألقي من قصائد وما تم عرضه من قصص قصيرة زيادة على برنامج الندوة الأصلي المقرر من قبل .. ولم يكن غريبا أن يحصل " جاك أنترويجر " على استثناء ويسمح له بتجاوز الوقت المخصص له ، فهذا دأب منظمي الندوات وجمهور الحاضرين مع ذلك الكاتب المبدع المدلل من الجميع ..
ولكن في النهاية انتهت الندوة ليرحل السيد " أنترويجر " مصطحبا معه رفيقة جديدة سمراء ، تاركا صديقته تقضي ليلتها كيفما شاءت مع من أحبت .. فليس في قاموس ذلك الثنائي لفظ خيانة أو غيرة !.
كان جاك محط انظار الجميع ..
في الطريق إلي البيت بدأ السيد " أنترويجر " يتعرف أكثر على رفيقته الجديدة التي لم يعرف عنها حتى الآن سوي اسمها " إيميليا " وولعها بالأدب والشعر .. كما بدأ بدوره يحكي لها عن تجاربه في الأدب والسجن !.
لا يستحق الأمر أي اندهاش فالكاتب والشاعر الرقيق المعروف المدلل من الأوساط الأدبية والراقية كانت له صحيفة سوابق ، لا يرغب أحد في الاعتراف بها ، تتضمن جريمة قتل رهيبة لعاهرة وحكم بالسجن لمدة 16 عاما .. صحيح أن الأديب المرموق لم ينكر فعلته ولم يدعي براءته إلا أن إعلان توبته الذي تكرر في كل الندوات الثقافية والبرامج الإذاعية والتليفزيونية كان في نظر رفاقه من الطبقات العليا المثقفة وكأنه إعلان الاستقلال الأمريكي لا يحتاج لأخذ ورد بعده .. شهرة " جاك أنترويجر " التي حققها بعد الإفراج عنه لحسن السير والسلوك كانت كذلك سببا آخر لمسح ماضيه الأسود من أذهان الكثيرين .. فالشهرة ، كالإيمان ، تجب ما قبلها عند معظم الناس !.
كان كاتبا وشاعرا مرموقا ..
في السيارة وأثناء رحلة العودة تبادل السيد " أنترويجر " حديثا طويلا مفعما بالحياة والدعابة مع الفتاة الحسناء .. كان مدار الحديث الثقافة والأدب والشعر ، وفي ذلك الحديث أفصح " جاك " عن إعجابه الشديد بأديب النمسا العظيم " ستيفان زفايج " ، ليس من جهة كونه أديبا رائعا وحسب ، بل كان أكثر ما يثير مخيلة " جاك " في شخصية هذا الكاتب هو قصة حياته التي أختار إنهائها بيده .. في الحقيقة كان يتطلع لفرصة لكي ينهي حياته ذات يوم بطريقة درامية بطولية كما فعل " زفايج " وقرينته وكلبه !.
ابتسمت الفاتنة " إيميليا " وقالت مجاملة :
" ألست صغيرا على التفكير في وسيلة مناسبة لإنهاء حياتك ! "
ابتسم " جاك " بدوره وهمس برقة وغموض :
" ليس هناك وقت مناسب لتوقع الموت أو للتفكير فيه .. فالواقع أن الموت دائما يأتي في أكثر اللحظات التي لا يتوقعه المرء خلالها ! "
كان " جاك " صادقا في قوله هذا تماما .. وأي شخص يعرف أن الموت يأتي دونما موعد أكثر من قاتل متسلسل وسفاح لا يشق له غبار !.
................................
جاك .. الشاعر الانيق ..
توقفت السيارة أمام البناية الفخمة التي يستأجر " جاك أنترويجر " شقة فيها وترجل برفقة الفتاة " إيميليا " ودخلا إلي البناية في الوقت الذي لم يكن هناك أحد ليلحظ حضور " جاك " أو مغادرته ثانية إذا فكر في ذلك .. فالحقيقة أن السيد " أنترويجر " لم يختر تلك البناية ولا ذلك التوقيت للعودة بصحبة الفتاة عبثا .. إنه يعرف ماذا يفعل وكانت تلك هي المشكلة !
دخلا معا إلي الشقة الصغيرة الفاخرة .. وأضاء " جاك " الأنوار وأجلس فتاته على أريكة وثيرة بحجرة الاستقبال وقدم لها مشروبا خفيفا مثلجا ليكون بداية طيبة لليلة التي لن يكون لها نهاية .. بالنسبة لها هي على الأقل !
دخل " جاك " إلي حجرة النوم وخلع سترته والبابيون السخيف الذي يقيد عنقه وكأنه حبل مشنقة .. كان يكره ارتداء تلك الربطات السخيفة حول العنق كلها ، لكن الكياسة تمنعه من الإفصاح عن ذلك وسط مجتمع يعتبر ارتداء البابيون ورباط العنق شيئا مقدسا يعبر عن السمو والثقافة والرقي .. لكن الآن وفي ملكيته الخاصة يستطيع " جاك أنترويجر " أن يخلع كل ما يرتديه رغما عنه .. سواء أكانت ثيابا أم قناعا يضعه على وجهه مرغما طوال الوقت .. الآن يستطيع أن يخلع قناعه ويظهر بوجهه الحقيقي .. وجهه المرعب !
خرج " جاك " من غرفة النوم فأدهش بمنظره الغريب الفتاة التي لم تتوقع رؤيته في هذا المنظر وبتلك السرعة .. في الحقيقة أن السيد " أنترويجر " كان قد تخفف من ثيابه لكن تخففا زائدا إلي حد أنه لم يكن يرتدي سوي زوج جوارب في قدميه فقط !
نظرت له " إيميليا " بدهشة عظيمة وارتبكت حتى كادت تسقط كوب الشراب ، الذي كانت لا تزال ترشف منه رشفات صغيرة ، من يدها وتخضب وجهها خجلا .. فلم تتوقع شيئا كهذا حتى في أكثر خيالاتها تحررا !
أقترب منها " جاك " ومد لها يده المزينة بساعة ماسية فخمة داعيا إياها إلي مرافقته إلي حيث يدعوها ..
لم تتوقف الفتاة طويلا لتفكر فيما يجدر بها أن تفعله .. كان حري بها ، لو كان لديها ذرة من عقل ، أن تتناول حقيبتها وتفر هاربة فورا .. لا لأنه أفزعها بفعلته المخجلة القبيحة بل كانت نظرة واحدة منها لملامح وجهه ، التي تبدلت تبدلا مروعا ، كافية لكي تفهم أي فخ خطير تساق إليه !
لكنها لم تفكر ..
لكنها لم تفكر .. فلو فعلت لكانت قد نجت بكل تأكيد .. ولكنها لم تفعل !
في حجرة النوم تمددت " إيميليا " على الفراش بينما جلس " جاك " عند قدميها على الأرض المفروشة بالأبسطة الوثيرة .. لم تكن الفتاة سعيدة على الإطلاق ، وشعرت بأن ثمة شيء ما خطأ في هذا الرجل الغريب الأطوار .. شيء لم تره ولم تنتبه له من قبل !
تكلم " جاك " بصوته الهادئ الواثق فسألها فجأة :
" هل فكرت في الموت من قبل يا " إيمي " ؟! "
فكرت " إيميليا " للحظة قبل أن ترد عليه بتردد :
" لا أدري .. لا أعتقد أنني فكرت في ذلك من قبل ! على كل حال لا زلت صغيرة على التفكير في هذا الأمر .. وأنت أيضا ! "
هز " جاك " رأسه وتجهم وهو يرد بغضب غير مبرر :
" حماقة ! الموت لا موعد له يا صغيرتي وقد يأتي في أي وقت ! "
صمت " جاك " للحظة منتظرا إجابة الفتاة ، التي لاذت بالصمت ، فلما امتنعت عن الإجابة كرر بخفوت :
" يأتي في أي وقت ! "
نهض " جاك " فجأة وغادر الغرفة وغاب للحظة .. بعدها بدقيقة تصاعد صوت غريب من مكان قريب من غرفة النوم .. كان صوتا غريبا يبدو كنهنهة بكاء .. شخص ما بالقرب يبكي وينتحب بحرقة !
أرهفت " إيميليا " سمعها حتى تأكدت مما تسمعه .. ثم نهضت من مرقدها ببطء .. ارتدت الروب الحريري الذي تركه لها " جاك " على حافة الفراش وتحركت عارية القدمين متتبعة مصدر الصوت ..
اقتربت الفتاة من الموضع الذي بدا لها أن صوت البكاء صادر منه .. كان الباب أمامها نصف مغلق ومن خلال شق الباب تأتي أصوات خافتة لرجل يبكي .. كان صوت " جاك " بالتأكيد !
فتحت " إيميليا " الباب بتردد فوجدت رفيقها الغريب الأطوار يجلس على أرض المطبخ العارية يبكي كطفل صغير أخذت منه دميته وقد تكور على نفسه وكأنه يحتمي من البرد ..
نظرت له الفتاة بدهشة وذعر ثم سألته :
" ماذا .. ماذا ؟! ما الذي يبكيك يا عزيزي ؟! "
رفع " جاك " وجها ملوثا بالدموع إليها وسألها بصوت غريب :
" هل تسامحينني يا " إيميليا " ؟! "
بدهشة وعدم فهم ردت الفتاة :
" على أي شيء ؟! علام تريدني أن أسامحك ؟! "
أرتجف " جاك " رجفة هائلة وأنكمش على نفسه أكثر وأكثر وردد ثانية طالبا منها أن تسامحه !
لم تفهم الفتاة ما الذي يجري هنا بالضبط لكن خطر ببالها أنه ربما يقصد ما وقع الليلة فأجابت بصوت واثق :
" إذا كنت تقصد ما حدث فأنت لم تجبرني على شيء وأنا ... "
ولكن " جاك " قاطعها قائلا :
" أرجوك .. أرجوك يا " إيميليا " أنك تسامحينني وتغفرين لي ! "
هل تسامحيني ايميليا ؟ ..
سكتت الفتاة وأخذت تتطلع للرجل الغريب الأطوار وهي عاجزة عن تحديد ماذا تفعل أو تقول بالضبط .. لكن " جاك " لم يمهلها للمزيد من التفكير .. فقد نهض فجأة وشب على قدميه ولأول مرة لاحظت " إيميليا " أنه يضع شيئا بقربه على الأرض .. كانت بلطة ثقيلة !
تناول " جاك " البلطة وهجم على الفتاة بحركة سريعة .. صرخت واستدارت هلعة لتجري مبتعدة ولكن " أنترويجر " لم يعطها الفرصة لفعل أي شيء .. فقد أنقض عليها وكال لها ضربة صاعقة على مؤخرة رأسها سقطت على أثرها عند قدميه وبدأت تنزف بغزارة .. لم يتركها " جاك " تنزف دمائها بسلام بل أسرع نحو غرفة النوم حيث كانت ملابسهما ، التي نزعاها منذ وقت قليل ، ملقاة في كل مكان وبحث وسط الملابس المبعثرة حتى عثر على ضالته .. رافعة صدر الفتاة الزاهية الألوان ..
أخذ قطعة الثياب الصغيرة وعاد بها إلي حيث سقطت ضحيته وسط المطبخ تنزف وتئن .. كانت " إيميليا " قد بدأت تستعيد وعيها الذي فقدته على أثر ضربة البلطة القاسية وبدأت تزحف محاولة الوصول إلي أي مكان تختبئ فيه من يدي القاتل الشرس .. لكنها لم تجد وقتا كافيا للوصول إلي أي مكان .. لأنه عاد إليها حاملا قطعة ملابسها بين يديه ولفها حول عنقها وبدأ يخنقها بها !
قاومت الفتاة وبدأت تضرب بيديها الهواء وتحاول نزع يدي " جاك " من حول عنقها .. لكن الأخير شدد من ضغط يديه حول رقبتها وأخذ يضغط ويضغط حتى جحظت عيناها وتدلي لسانها وشحبت ملامحها تماما .. حينئذ تركها أخيرا ليرتطم رأسها بالأرضية اللامعة وترقد فوقها جثة هامدة !
وقف " جاك أنترويجر " أخيرا فوق جثة ضحيته وهو يشعر بحيادية كاملة .. وكأنه يشاهد فيلما في صالة عرض لا علاقة بينه وبين ما يحدث على شاشته .. وكأن شخصا آخر هو من قتل الفتاة الشابة " إيميليا " وخنقها برافعة صدرها الآن وليس هو بنفسه ، وبيديه ، من فعل ذلك !
..........................
من ضحايا جاك انتروجير .. وسلاح الجريمة دائما هو حمالات الصدر ..
على ضفة النهر وقف " جاك " يستنشق أولي نسمات الفجر البهيج .. كانت جثة " إيميليا " الآن تقبع في قعر النهر وقد ثقلت بقطع حجرية ، لئلا تعود للطفو فوق سطح الماء مجددا ، ومارس عليها كل أفعاله الجنونية وغرس أفرع أشجار في أعضائها الخاصة .. لم يتبقي أمام السيد " أنترويجر " الشاعر المرهف الحس سوي أمر واحد لينفض عن كاهلك عبء تلك الليلة بكل ما حدث فيها .. وهو تنظيف دماء " إيميليا " التي أغرقت مطبخه وأركان كثيرة من ردهته .. كان ذلك العمل هو أكثر شيء يمقته " جاك " في حياته .. فهو لم يشعر للحظة أن المسحة والمنشفة فرشاة تنظيف البلاط وسوائل الأرضيات يمكن أن تتلاءم مع مزاجه الشاعري الرقيق !
من ملفات جرائم السفاح النمساوي
" جاك أنترويجر "
1951- 1991م
-----------------------

هوامش :

في قبضة العدالة قبل انتحاره ..
- جاك انترويجر , سفاح ولد في النمسا عام 1950 لأم عاهرة وأب مجهول الهوية وأرتكب أولى جرائمه عام 1974 عندما خنق شابة ألمانية حتى الموت بواسطة حمالة صدرها , ثم توالت جرائمه فقتل ستة نساء خلال عام واحد فقط , حتى ألقي القبض عليه عام 1976 ونال حكما بالسجن المؤبد.
في السجن طرأ تحول عجيب على جاك , بدأ يكتب أشعارا ومواضيع أدبية ببراعة وموهبة كبيرة , وأخذت كبريات الصحف تنشر قصصه وقصائده , لا بل أن إحدى تلك القصص تحولت إلى لفيلم سينمائي . وخرجت مظاهرات حاشدة يقودها بعض أشهر مثقفي النمسا تطالب بالعفو عنه , وبالفعل أطلق سراحه مبكرا عام 1990 , وسرعان ما تعاقدت معه صحيفة نمساوية مشهورة ليعد لها تقريرا عن الدعارة والجريمة في مدينة لوس انجلوس , فسافر إلى الولايات المتحدة وأنهمك فورا في إعداد تقاريره , فراح يقابل رجال الشرطة , ويتردد على المناطق التي تكثر فيها العاهرات . وخلال تلك الفترة عثرت الشرطة على جثث ثلاث عاهرات جرى قتلهن بأسلوب واحد , حيث تعرضن للضرب المبرح ثم خنقن بواسطة حمالات صدورهن , فبدأت الشكوك تحوم حول جاك , لكنه فر هاربا حين حاولت الشرطة إلقاء القبض عليه في الفندق , ولم يقع بيد العدالة إلا بعد عامين , وانتحر مشنوقا بخيط حذاءه عام 1994 قبل تقديمه للمحاكمة .
 النشر اول مرة 04 / 15 /2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المصباح .. دروبــــــ ــ ــ ــ .doroob
/ قال الله تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18/
الرجاء الالتزام بأداب النشرفي كتابة الاستفسارات والتعليق.

دروب أدبية

دروب المبدعين

دروب ثقافية